الشّارعُ الخلفيّ والضّوء المتسَلّل يَنعى بَقايا النّهار ، ويَلعَنُ ألف مرّةٍ ما تبقّى من نَهارات ،
والرّصيفُ المُتيَبّس يَحتَضِنُ الخُطى
بـلهفَةِ عمرٍ من انتِظار ،
أنينُهُ يَستَنهِضُ الشّفقة _ وليس ثمّةَ شَفوق _ !!
تلك التّفاصيلُ العَينِيّة
تَتَواطَأُ على بُؤرَة العين
بـهجمَةِ تأمّلٍ لا يمكن ردّها ،
كما الموت حين يَلوي بِـقبضَتِهِ
عنقَ الحياة فلا يُبقي لها فرصةً
سوى ابتلاع الشهيق الأخير .
" لم أهرَم بعد وإن شَاخَ منّي القلب
فلا زِلتُ أحتفِظُ بِذاكرةٍ فَتِيّة "
هذه الجملة التي لَطالَما تَسلّحَتْ بها جدّتي
حين كانت تَسرُدُ لي ( ما كان )
في حين تَغفِلُ تمامًا عمّا هو ( كائن ) ...!
هي تَتَحدّث وتُعيدُ وتُكرّر ،
وأنا أتأمّل وأَفرُطُ عقد التفاصيل
لألملمَ تناثرها بـطريقتي ...
المُدُن والجُدران والنّاس والحِكايات
جُزيئات قابلة للعَجن ،
وقابلةٌ للتّشكيل على هَيئةٍ تُرضي لَحظتي ..
هل سـَتستاءُ المَدينة إن جعلتُ من جُدرانِها بروازًا ..؟!
وما الذي يـَ .. يُضيرُ المَصابيح
إن جَعلتُها مُفرَغَة من الضّوء ،
مُشبَعة أطرافها بأنينِ الشّفَق ..؟!
وتلكَ السماءُ العَصيّة المَساس
المُتَراميَة الفراغ سَـأُزَركِشُ حواشيها اللّامرئيّة
ببَعض نِقاطٍ مُستعارةٍ من بنات أبجد ،
كَيما أكون مُتجرّدةً من هَيبَةِ حرف ...
تلك الزرقاء الوَهميّة تَستَنهِضُني مُستفِزّةً منّي جَناحاي ، وحين أرومُ التّحليق تُمسِكُني من وهن جناحاي ،
فـأتأرجح وأكتُمُ وجعي ..!
وبين تمرّدٍ لَحظيٍّ وترقّبٍ للآتي بِنظرَةِ توجّس ،
أُبقيني قيدَ خطوةٍ تُباشرُ المِضيّ ،
ترومُ القفزَ أكثر .. وتتوقُ للهرب دون
( فركش ) تُعرقلُ سعيها ....
ثمّ ...
بغتةً أمارسُ الفرملة القسريّة ،
إذ أن تلابيبَ الخطو تُمسك بلحظَة السّكون الأولى وتَستَوقفني في برزخٍ من حيرةٍ
ليست تملكُ لِنفسها عافية الإيضاح .
وأعودُ أدراجي إلى نفس الشارع الخَلفيّ
وتلك الجدران الغارِقَة في فوضى صمتِها ،
أُسنِدُ كتفي المُتعَب
وأتذكّر حديث جدّتي ....
وأُتمتم :
( سأُحاوِلُ أن أرعى الدّقائق القادمة ،
كي لا يَكبُرَ في عيني جَدبُ سنينِها ) ....!
رشا عرابي
من أرشيف أبعاد أدبية
تعليقات
إرسال تعليق